
الهجرة وتحدياتها في المجتمع الصحراوي
10/04/2008بقلم: وردة حمودي أحمد بابا
ظاهرة إنسانية سكانية تتمثل في الانتقال من مكان إلى إخر، تم الإعتراف بها عالميا منذ أكثر من نصف قرن ضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 10 ديسمبر 1948، فمن ناحية إقتصادية يمكن أن يكون للهجرة المنظمة مردودا إيجابيا كبيرا، سواء على المجتمعات المهاجر منها أو المهاجر إليها، وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد المهاجرين في العالم وصل إلى حدود 200 مليون شخص سنة 2007، ولكن بقدرما يسهم المهاجرون في بناء المجتمعات المستضيفة، بقدر ما يمثل ذلك خسارة موارد بشرية للدول المهاجر منها أي مايعرف بهجرة العقول والكفاءات.كما أن الهجرة قد تتسبب في خلق توترات سياسية اقتصادية أو اجتماعية في البلدان المهاجر إليها، وهو ما جعل موضوع الهجرة الدولية ينتقل إلى صدارة الإهتمامات الوطنية والدولية، وأصبحت الهجرة الوافدة من المسائل المقلقة في عدد متزايد من البلدان الأمر الذي حذا بهذه البلدان لاسيما في السنوات الأخيرة إلى تشديد الإجراءات تجاه المهاجرين إليها وطالبي حق اللجوء، فالمفهوم المتعارف عليه للهجرة هو أن يترك شخص او جماعة من الناس مكان اقامتهم لينتقلوا للعيش في مكان آخر، وذلك مع نية البقاء في المكان الجديد لفترة طويلة، أطول من كونها زيارة او سفر.وتصنف الهجرة حسب الهدف منها والغاية الدافعة إليها، وحسب الزمان والمكان والكم، والطبيعة القانونية لها، فالهجرة حسب الطبيعة القانونية قد تكون هجرة شرعية، تتم في إطار قانوني من خلال قيام المهاجر بإعداد الوثائق المطلوبة بطريقة قانونية متفق عليها دوليا قصد الدخول إلى البلد المضيف، وقد تكون غير شرعية، إذ يتم من خلالها الدخول إلى البلد المضيف بطريقة غير قانونية يخاطر فيها المهاجر بنفسه بحثا عن تحسين مستواه المعيشي، ومن حيث المكان تكون إما داخلية من البوادي صوب المدن أو خارجية وتتمثل في مغادرة البلد الأم إلى بلد أخر قصد العمل أو الإقامة، ومن حيث الزمان تكون إما موسمية "مؤقتة" يعود فيها المهاجرون بعد فترة إلى مناطقهم أو دائمة "نهائية" بعد إستقرار المهاجرين بصفة نهائية في مواطن الهجرة، أما من حيث الإرادة فقد تكون الهجرة إما إختيارية يقوم بها الأفراد طواعية، أو إضطرارية حين يجبر الأشخاص على الهجرة بسبب الظروف الطبيعية أو السياسية، ومن حيث الكم، تكون إما فردية وهي الغالبة أو جماعية تتمثل في هجرة كل أفراد الأسرة أو جماعات بسبب الحروب وغيرها . وفي السنوات الأخيرة عرف المجتمع الصحراوي تزايد مستمر في معدل الهجرة حيث وصلت إلى أعداد كبيرة جدا لم نشهدها من قبل، حيث أن اغلب المهاجرين هم من الذين يعيشون في مخيمات اللاجئين بنسبة 99% أي أكثر من 3000 مهاجر حسب إحصائيات سنة 2007، 70% منهم شباب، دون أن ننسى المهاجرين من المدن المحتلة وجنوب المغرب لكن بنسبة أقل مما هي عليه في مخيمات اللاجئين، وما نلاحظه أن نسبة هؤلاء المهاجرين كانت جلها إلى إسبانيا نظرا لعدة عوامل، ذاتية وموضوعية، وكذا عوامل تاريخية وثقافية ولقد مرَت الهجرة في المجتمع الصحراوي بمرحلتين أساسيتين لكل مرحلة مايميَزها عن الأخرى فكانت أولهما سنة 1960 إلى غاية 1991، والتي كانت الوجهة فيها في فترة ماقبل الغزو المغربي للصحراء الغربية، إلى فرنسا وموريتانيا خاصة، كما شهدت هذه المرحلة عودة المهاجرين الصحراويين إلى أرض الوطن سنة 1975 نظرا للظروف التي يمر بها المجتمع الصحراوي في تلك الفترة من غزو وتشريد ولجوء، ودام الوضع على ماهو عليه إلى غاية 1991 (وقف اطلاق النار) وإلى يومنا هذا، حيث شهدت هجرة جديدة ومتزايدة وكانت وجهتها خاصة إلى إسبانيا، ويمكن إعتبار عامل اللغة والروابط التاريخية والثقافية من بين أهم العوامل التي جعلت الهجرة الصحراوية تتجه بشكل خاص إلى هذا البلد، إضافة إلى التسهيلات النسبية التي تمنحها السلطات الاسبانية للصحراويين فيما يتعلق بالوثائق وغيرها، كما ويمكن ان نرجع هذا التزايد المستمر في معدل الهجرة إلى أسباب عدَة منها ماهو سياسيا، اقتصاديا أو اجتماعيا :- إستمرار الوضع الراهن (حالة لاسلم لاحرب) وعدم ظهور بوادر للحل .- مشاكل سياسية (توجه سياسي مختلف).- العمل من اجل حل المشاكل المادية أو إيجاد فرص للتوظيف في الإختصاص كما هو الحال للأطباء وغيرهم.- الرغبة في ممارسة نشاطات إقتصادية.- الدراسة إمَا عن طريق القنوات التنظيمية أو إثر البقاء من الجولات الصيفية .- الرغبة في الإستفادة من الفرص التي يمنحها الغرب في ممارسة الأنشطة السياسية.- الحصول على وثائق إقامة بالبلد المضيف.- العلاج.....الخ.كل هذه الأسباب وغيرها جعلت من المواطن الصحراوي وخاصة الشباب الذي يعتبر المجتمع في أمس الحاجة اليه، شغله الشاغل الحصول على تاشيرة لمغادرة الوطن الأم، أمَا المهاجرين من المناطق المحتلة فبالإضافة إلى الوضعية الإقتصادية الصعبة التي يعيشونها فإن غالبيتهم يفكرون في الهجرة نظرا لما يتعرضون إليه يوميا من قمع وتنكيل على أيادي الغزو المغربي، والبعض الأخر يهجَر غصبا عنه عن طريق تهجيره في قوارب الموت حيث أثبتت الإحصائيات مؤخرا أنَ أزيد من 75 شابا صحراويا لقوا حتفهم في مياه المحيط في شهر ماي 2005، وأكثر من 52 في شهر نوفمبر من نفس السنة، كما سجلت الإحصائيات أكثر من 50 شخصا من بينهم 9 أطفال ماتوا غرقا في فبراير 2006، وإختفاء 15 شخصا مازال يجهل مصيرهم حتى الأن، ناهيك عن اللذين فقدوا .الهجرة من المناطق المحتلة في مجملها تتم بطريقة غير قانونية نظرا للتسهيلات التي تمنحها السلطات المغربية لهذا الغرض من أجل إخلاء الأرض من سكانها الأصليين (الصحراويين) وخاصة الشباب منهم. ومما لاشك فيه أن للهجرة إيجابيات عدة سواء على المجتمعات المهاجر منها أو المهاجر إليها، كما ولديها سلبيات كذلك. ومن بين أهم سلبيات الهجرة داخل المجتمع الصحراوي مايلي:- هجرة العقول خاصة تلك التي يعتبر المجتمع في امس الحاجة اليها مثل الاطباء، الاساتذة، المهندسين، ......الخ- نشأة جيل من الصحراويين محكوم عليه بلاَ هوية، فلا هم إسبان بمعنى الكلمة ولا هم صحراويون في الثقافة والميولات وحتى الأفكار والمعتقدات.- وجود عائلات كاملة في المهجر تزداد المسافة يوما بعد يوم بينهم ومجتمعهم الأصلي .- وجود جالية كبيرة العدد لكنها غير مؤطرة بشكل يجعلها تؤثر في المحيط الذي تتواجد فيه وعديمة المردود على المنظمة والمجتمع، خاصة في الازمات فمثلا: الأمطار الأخيرة التي شهدتها مخيمات اللاجئين فبراير 2006 لم يحرك الصحراويون الموجودين في المهجر أي ساكن ولم يقم احد منهم بمجهود إعلامي او تبرع مادي.- إهمال بعض المهاجرين لبيوتهم وأبنائهم والإكتفاء ببعث المساعدات المادية لهم وحرمانهم من الأبوة او الأمومة والتي لا تقدر بكنوز الدنيا.- إنعدام روح المبادرة والتطوع لدى المهاجرين أثناء المناسبات في وقت يقوم الأجانب بهذه المبادرة.- وجود الزواج المختلط خاصة زواج الصحراويين مع الأجنبيات.- تهديد المهاجر الصحراوي بالانحراف (تعاطي المخدرات والكحول) وإنهيار القيم الأخلاقية والدينية.وقد يرى البعض أن الهجرة هي الفردوس الذي كان يحلم به وان كل امانيه قد تحققت بتحققها ولكن مايبرح ذلك الحلم ان يتبخر، معزيا نفسه بمكاسب مادية تدخل يده بين الفنية والأخرى، وهنا لابد من الإشارة الى ان جل المهاجرون الصحراويون يصنفون ضمن العمالة ذات الأجرة الضئيلة لأن معظم أعمالها إما موسمية أو غير قانونية، ولكن في هذا الخضم يمكن حصر المزايا المحصل عليها من الهجرة كالاتي:- نشر القضية الوطنية من خلال اقامة ملتقيات، المشاركة في المظاهرات ...الخ- تسوية الوضعية القانونية للاقامة وحتى التجنس مما يعطي حرية التنقل بين الوطن والمهجر.- الحصول على راس مال ساهم في حل المشاكل المادية للاسر التي لديها مهاجرين.- الاستفادة من التقدم العلمي والتكنولوجي .فالهجرة أصبحت ضرورة حتمية على كل دول العالم فرضتها التغيرات السياسية والاقتصادية الجديدة أو ما يعرف بالعولمة التي القت بظلالها على المجتمعات والشعوب على حد سوا، والمجتمع الصحراوي لا يمكن أن يكون بمعزل عن هذا العالم وما يشهده من موجات التغيير، الا أنه وعلى الرغم من الصعوبات التي يعانيها المهاجر الصحراوي َ فإن ذلك لم يقلل من عزيمته ومن حبه للوطن، وإيمانه بعدالة ونزاهة القضية الوطنية وإصراره الدائم على اثبات ذلك في كل المحافل الدولية، كما انه مستعد لدفع الغالي والنفيس في سبيل هذا الوطن حتى تحقيق الهدف الأسمى وهو الإستقلال، وهذا ما نلاحظه جليا من خلال المظاهرات والوقفات التضامنية مع الشعب الصحراوي التي تقام سنويا في العاصمة الإسبانية مدريد وحضور الآلاف من المهاجرين الصحراويين، في سبيل خدمة الوطن باي شكل من الأشكال.لكن وبالرغم من هذا كله فيبقى الوطن الام دائما بحاجة الى ابنائه اينما وجدوا، وأينما ارتحلوا، وعلى المهاجر هنا ان يضع في الحسبان اننا في فترة صعبة، بدءا بوقف إطلاق النار مرورا بالظرف المعاش حاليا وصولا الى المفاوضات الأخيرة، هذا كله يحتم على المهاجر الصحراوي ان يطرح كل التوقعات في ذهنه وان يكون في استعداد لذلك .